فخر الدين الرازي

165

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قدم المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم وأتيته وقلت : إن كراعي وزادي كان حاضرا واحتبست بذنبي فاستغفر لي فأبي الرسول ذلك ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة ، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وجاءت امرأة هلال بن أمية وقالت : يا رسول اللّه لقد بكى هلال حتى خفت على بصره حتى إذا مضى خمسون يوما أنزل اللّه تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وأنزل قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فعند ذلك خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى حجرته وهو عند أم سلمة فقال : « اللّه أكبر قد أنزل اللّه عذر أصحابنا » فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه وبشرهم بأن اللّه تاب عليهم ، فانطلقوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتلا عليهم ما نزل فيهم . فقال كعب : توبتي إلى اللّه تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال : « لا » قلت : فنصفه قال : « لا » قلت : فثلثه قال : « نعم » واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاثة . الصفة الأولى : قوله : حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ قال المفسرون : معناه : أن النبي عليه الصلاة والسلام صار معرضا عنهم ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم وبقوا على هذه الحالة خمسين يوما ، وقيل : أكثر ، ومعنى ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ تقدم تفسيره في هذه السورة . والصفة الثانية : قوله : وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ والمراد ضيق صدورهم بسبب الهم والغم ومجانبة الأولياء والأحباء ، ونظر الناس لهم بعين الإهانة . الصفة الثالثة : قوله : وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ويقرب معناه من قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه : « أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك » ومن الناس من قال معنى قوله : وَظَنُّوا أي علموا كما في قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] والدليل عليه أنه تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء ، ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من اللّه إلا إليه . وقال آخرون : وقف أمرهم على الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن اللّه ينزل الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن تطول المدة في بقائهم في الشدة فالطعن / عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة ، ولما وصفهم اللّه بهذه الصفات الثلاث ، قال : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ [ إلى آخر الآية ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه لا بد هاهنا من إضمار . والتقدير : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه . تاب عليهم ثم تاب عليهم ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك . فإن قيل : فما معنى قوله : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا . قلنا فيه وجوه : الأول : قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى فقوله : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يدل على أن التوبة فعل اللّه وقوله : لِيَتُوبُوا يدل على أنها فعل العبد ، فهذا صريح قولنا ، ونظيره